اللغة العربية بين حاضر تحتضر فيه ومستقبل مجهول



على منوال "من لا تارخ له لا مستقبل له" أيضا "لغة لا تاريخ لها لا مستقبل لها"، ولغتنا العربية لها تاريخ عريق وماض لا زلنا نستشهد به فخرا ونستحضره من خلال ديوان العرب (الشعر) أيام الجاهلية، ومجد الأمة العربية ومعها اللغة الفصحى في ظل الإشعاع الفكري والتطور التنظيمي والإداري والسياسي والإجتماعي منذ الخلافة الراشدية حتى عصر العباسيين. ذلك أنها لاحقا وفي عصر العثمانيين اقتصرت على علوم الدين، ثم تقهقرت الأمة وتخلفت معها لغة الضاد وزاحمتها لغات أجنبية وأخرى محلية لبلدان ليست بعربية الأصل، وتقاعست مكانتها إن لم نقل انحصرت بين دفتي كتاب فقط. لست هنا لأقف مكان الباحثين الكبار في علم المستقبليات ولا مكان الأكاديميين المختصين باللغة واللسانيات، لكنني سأنطلق من علاقة لربما أقرب بكثير من علاقة معرفية، أنا ابنة هذه اللغة فسجلوا أنا عربية.
سأتحدث عن مستقبل لغتي الأم بناء على الحاضر وهي تحتضر فيه والواقع وحتى المواقع، إذ يقول عالم الإجتماع التونسي الطاهر لبييب "اللغة التي لا يتكلمها أهلها تموت" والإنسان العربي يقتل لغته بيديه حين يتكاسل عن التواصل اليومي بلغته الفصحى، بعد هيمنة اللهجات العامية بالبلدان العربية واختلاطها بلغات أخرى كلغة المستعمر مثلا، إلا من كلمات سهلة وعبارات بسيطة داخل اللهجات كل حسب منطقته. إضافة إلى إقتصار التعامل باللغة العربية الفصحى على الدوائر الرسمية من إدارات وتعليم وانحصارها في الأدب والثقافة، مقابل انتشار اللغات الأجنبية في ميادين علمية وتقنية وتكنولوجيا، إن اللغة العربية لغة القرآن ولعل هذا ما يجعل العديد منا كعرب مسلمين مقتنعين ومطمئنين أنه طالما سيبقى القرآن محفوظا وهو بلسان عربي فإن العربية بدورها لن تموت، فهل نحن مقبلون على القرآن وحافظين له بالقدر الذي يؤمّن لغتنا من الزوال!.
اللغة هي وسيلة تواصل باقية مادام هناك ناس يتكلمون بها ويتواصلون من خلالها، ولكن في ظل العولمة وارتباط اللغة بالإقتصاد والمصالح فإن اللغة المسيطرة هي لغة من يسيطر على الإقتصاد أو له اقتصاد مزدهر، وهذا ما هو شبه منعدم عربيا فحتى إن وجدنا ازدهارا اقتصاديا ببلد عربي ما نجده تابعا، وبالتالي فاللغة في زماننا رهينة بتقدم المتكلمين بها؛ تقدمهم الإقتصادي العلمي التكنولوجي الثقافي الفني وغيره، وكذا بمدى استيعابها للمصطلحات العلمية المعقدة وهذا واضح وجلي في اللغة الإنجليزية المستعملة بالمشرق العربي أو الفرنسية بالدول المغاربية ولو أن الأصل أمازيغي لكن العربية لغة رسمية بهم.
تجدر الإشارة إلى أن الشعوب العربية تعيش حالة غرابة مع لغتها الفصحى ذلك أنه حتى الطالب الجامعي صاحب تخصص في الأدب العربي مثلا يجد صعوبة في التخاطب باللغة العربية الفصحى، إن لم نقل أنه يستحيل عليه ذلك فكيف بعامة الناس وهناك غياب تام للوعي الإجتماعي بأهمية اللغة العربية قبل خطورة انقراضها. فهي عماد من أعمدة الثقافة والقومية والحضارة العربية، ودعامة أساسية من دعامات وحدة الشعوب العربية وتماسكها، هي الإنتماء والهوية والأصل وصلة الوصل بين الماضي الضارب في القدم والحاضر المتأزم لغويا والمستقبل المجهول؛ إذا ما استمرينا في التعامل معها على أنها خاصة بالرسميات والأدب، لذلك وجب علينا التمسك بهذه الصلة والحفاظ عليها عبر:
       ــ حمايتها من الإفتراس والإحتواء اللغوي للغات الأجنبية.
       ــ  زرع شعور الفخر والإعتزاز باللغة العربية لدى الناشئة لأنهم شعوب الغد من خلال التشجيع على القراءة باللغة العربية، وتحبيبها لقلوبهم بمقررات دراسية مناسبة للغاية المنشودة؛ ولنا في الصغيرة مريم أمجون خير مثال على ذلك.
       ــ وأد كل حركة أو حملة تدعو إلى إقحام العامية كلغة تدريس في المدارس وإبقاء التعليم بالعربية الفصحى.
       ــ ضرورة الفصل بين التدريس باللغات الأجنبية وتعلمها داخل المنظومات التربوية والتعليمية بالبلدان العربية، وتدريس التخصصات العلمية بالعربية الفصحى.
       ــ العمل أكثر على إقرار مناهج دراسية تهدف بالأساس إلى تصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية للمتعلمين، لأننا حاليا نعاني من فئات عربية متعلمة مشوهة لغويا وإملائيا.
      ــ تعريب الإدارات والمجال الإقتصادي بأكمله في البلدان العربية التي تعتمد لغات أجنبية في هذا المجال.
      ــ الإكثار من تأليف المراجع الخاصة بتاريخ اللغة العربية وإصدار معاجم سهلة وبسيطة تساعد وتيسر التعمق في عربيتنا.
      ــ يجب أن يستغل العرب تواجدهم اليومي في الإنترنيت ليكتبوا ويتواصلوا بالعربية الفصحى بغية نشرها على نطاق أوسع، والقضاء على ظاهرة "العرنسية" وهي كتابة العربية بحروف فرنسية في المغرب كمثال.
وأخيرا فاللغة العربية الفصحى تحتاج إلى بعث وإحياء جديد تتكاثف فيه جهود أبنائها من مختصين ومثقفين وعامة الناس، وللإعتزاز بها لأنها رمز ثابت من رموز عروبتنا ونغير تعاملنا معها فنحن من خذلها وبيدنا إعلاء مكانتها قبل أن نتباكى على خسارتها كما فعلنا مع ما خسرنا من قبل وننقذ اللغة العربية الفصحى ونضمن استمرارها مستقبلا دون الخوف من موتها.

تعليقات