المؤلف المجهول في كتب التاريخ

كل باحث وناظر في قوائم وفهارس المخطوطات بالخزانات والمكتبات الوطنية المغربية سيلحظ ظاهرة غير عادية تتكرر، وهي ظاهرة وجود المؤلفين المجهولين. بحيث وردت العديد من المخطوطات بدون ذكر لإسم صاحبها، فما كان أمام المفهرسين إلا نسبتها إلى "مؤلف مجهول"، والأمثلة في تاريخ المغرب الوسيط عديدة، إذ وصلت إلينا مصادر تاريخية لا يعرف إلى يومنا هذا مؤلفوها، وهي إشارة بالغة الأهمية تستوقف كل مشتغل بحقل التاريخ، مستغربا للأمر متسائلا في الآن نفسه عن كيفية توقف الجهود عند ذكر عنوان المخطوط دون ذكر مؤلفه؟ وكيف إستطاع الناس الإنتفاع بعلمه دون معرفته؟..
بداية لابد من التطرق إلى تعريف صغير "للمؤلف المجهول" أي هو كل كتاب وجد نصه ولا يعرف من مؤلفه، ومن هاته الكتب نذكر كتاب "تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية" الذي يعتبر من المؤلفات المهمة التي أرخت للمرحلة السعدية من تاريخ المغرب إذ يصنف ضمن كتب الحوليات، وقد لقي إهتماما كبيرا من طرف الباحثين نظرا لمصادره الشفوية وكذا انطلاق المؤلف المجهول من أحداث تحسب ضد الدولة السعدية التي وإن كانت أحداثا حقيقية فهي تعكس ذاتية الكاتب المعادية للسعديين. يوجد أيضا كتاب آخر مجهول المؤلف يحمل عنوان "بلغة الأمنية والمقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب" وهو عبارة عن كتب تراجم يهتم بالتعريف بطائفة من المدرسين والأساتذة والأطباء كانوا بسبتة على عهد الدولة المرينية قبل الإحتلال البرتغالي، قام بأول تحقيق له الأستاذ محمد بن تاويت التطواني أما التحقيق الثاني فقام به الأستاذ عبد الوهاب بن منصور.
إضافة إلى كتب أخرى كانت إلى وقت قريب مجهولة المؤلف وبفضل مجهودات المحققين تم التهدي إلى أصحابها ومن هذه الكتب نجد كتاب "الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية" وهو مصدر موحدي يدرس تاريخ الدولة الموحدية في المغرب والأندلس، من عام 554ه/1159م إلى 568ه/ 1172م. نسب في طبعته الأولى إلى لسان الدين بن الخطيب ثم أصدر تحت إسم مؤلف مجهول حتى سنة 2010 صدر الكتاب بإسم مؤلفه ابن سماك العاملي من تحقيق الأستاذ عبد القادر بوباية. وكتاب "مفاخر البربر" الذي يعتبر من المصادر التاريخية الهامة بتاريخ قبيلتي زناتة وصنهاجة الأمازيغيتين في بلاد المغرب الأقصى، وقد أشار كل من العلامة محمد المنوني والباحث الأستاذ محمد بنشريفة إلى صاحب الكتاب في بحوثهما المرتبطة بالموضوع غير أن الأستاذ عبد القادر بوباية قطع الشك باليقين وأخرج الكتاب من تحقيقه في طبعته الثانية وأدرج إسم صاحبه تحت العنوان مباشرة بإسم عبد الله صالح بن عبد الحليم الإيلاني. ثم كتاب "الإستبصار في عجائب الأمصار" الذي يعتبر من الآثار الأدبية الجغرافية التاريخية التي تعود للعصر الموحدي، حققه ونشره كاملا الدكتور سعد زغلول عبد الحميد في حين تعرف الأستاذ محمد بنشريفة على صاحبه وخصص له كتابا بعنوان "ابن عبد ربه الحفيد: هل هو مؤلف الإستبصار؟"، ونجد أيضا كتاب "الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس" الذي كلما أتى ذكره إلا ونسب إلى ابن أبي زرع وهنا يجب التمييز بين أبي العباس بن أبي زرع خطيب القرويين وأبي الحسن بن أبي زرع المؤرخ، وقد أورد عبد الله كنون الإسم كاملا وهو أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي زرع الفاسي، والكتاب يؤرخ لكل من المغراويين واليفرانيين والمرابطين والموحدين ثم المرينيين. هذا ولا ننسى ذكر كتاب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" حيث قام الأستاذ عبد الله كنون ببحث حول الكتاب فأشار إلى أن أسلوبه يشبه إلى حد كبير كتاب "القرطاس" السالف الذكر وقد استنتج أن يكون صاحبه هو ابن أبي زرع الفاسي، غير أن الأستاذ محمد بنشريفة لايزال يعتبره مجهول المؤلف دون إغفاله لوجود إجتهادات - يقصد بها بحث الأستاذ عبد الله كنون - تنسبه إلى ابن أبي زرع الفاسي. ولا نغفل كذلك ذكر كل من كتاب "مختصر نزهة الأفكار وحلة الأبرار في مناقب سيدي عبد القادر وشيخه الفخار" وهو كتاب مجهول بالكامل فلا يعرف عنوانه ولا مؤلفه أما العنوان الحالي فأطلق عليه على وجه "المجاز والتغليب" على حد قول الأستاذ جعفر بن الحاج السلمي الذي حقق الكتاب، وكتاب "طبقات المالكية" لمؤلف مجهول الإسم كان بقيد الحياة عام 1015ه/ 1606م-1607م. وكذا كتاب "المقامات الزهرية في مجالس الزاوية البكرية" توجد المخطوطة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 972.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الظاهرة ليست بأمر حدث صدفة أو عبث بل ذلك راجع إلى عدة أسباب يمكن إجمالها في أربعة أسباب وهي البتر الذي تتعرض له غالبا الورقات الأولى والأخيرة للمخطوط، والطمس الذي يصيب الصفحات الأولى من المخطوط لسوء التخزين الذي يطال المخطوطات وتعرضها للرطوبة، إضافة إلى الخوف والتقية وهذا سبب قوي في مجال الكتابة التاريخية خصوصا تلك التي تؤرخ لأحوال السياسة والسلاطين فتعارض سياستهم أو تطعن في مذهبهم، ثم هناك السبب الرابع ويتجلى في الخلاف حول نسبة الكتاب لمؤرخ دون آخر أو نسبته لمؤلف ما لفترة زمنية ثم بعد ذلك يتم التعرف على مؤلفه الأصلي.
وقد أفصح مجموعة من الباحثين والمحققين والمهتمين بالمجال عن آرائهم حول هذه الظاهرة التأليفية في كتب التاريخ، ولعل أبرزهم الأستاذ محمد بنشريفة الذي أخرج بحثا بعنوان "ظاهرة المخطوطات مجهولة المؤلف: المخطوطات التاريخية والجغرافية مثلا" اقتصر فيه على التآليف الخاصة بتراث بلاد الأندلس، وقد أشار إلى أن الظاهرة ماهي إلا ابتلاء من جملة الإبتلاءات والمحن التي تعرضت لها المخطوطات الإسلامية خلال تاريخها الطويل، كما كتب الأستاذ محمد جمعة عبد الهادي مقالا بجريدة اليوم السابع الإلكترونية بعنوان "المؤلف المجهول في كتب التراث" اعتبر فيه أن الأمر من الغرائب والعجائب في تاريخ المصنفات، وعلى أنها إشارة بالغة الأهمية وغاية لا منتهى لها سوى العلم، وفي لمحة بسيطة للأستاذ يوسف زيدان عن المؤلف المجهول يقول "وفي التراث العربي الكثير من المخطوطات مجهولة المؤلف والمواقف الرائعة والأقوال البديعة مجهولة الصاحب. ولكم تفكرت في هؤلاء المجهولين الذين كان أثرهم في بعض الأحيان أبلغ من المشهورين"، من جهة أخرى وحول نفس الموضوع وصف الأستاذ أحمد عطية الظاهرة بالغريبة واعتبر أن غياب إسم المؤلف هو غياب لجهد علمي قد يكون له قيمة كبرى في حياتنا العلمية والتاريخية، وقال "هي ظاهرة مقلقة يصاب على إثرها المعنى بالتراث بنوع من الهم".
وهكذا نستنتج في الأخير أن التاريخ الوسيط لبلاد المغرب ليس فقط تاريخ قيام دول وسقوطها، وليس تاريخ ظواهر طبيعية ومظاهر إجتماعية...بل هو أيضا تاريخ ظواهر تأليفية تخص الكتب المخطوطات من جهل بها وبمؤلفيها وبفقدها وضياعها وحرقها حتى..  
ملاحظة: هذا ملخص بحثي الجامعي 


تعليقات

  1. كتاب سحر العيون قام بطبعه عبدالهادي نجا الايباري 1276هج بمصر ,كتاب موضوعه جدا جميل ونادر.ولم يعرف مؤلفه الحقيقي.

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    شكرا جزيلا على معلومتك، هناك كتب كثيرة مجهولة المؤلف غير أن بحثي ذاك اقتصر على الكتب الخاصة بالمغرب والأندلس بفترة العصر الوسيط🌻

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كتب أقل من 100 صفحة| قائمة 20 كتابا

بودكاست رائحة الورق | الحلقة الأولى: لماذا نقرأ

المرجومة