إمارات الخوارج بالمغرب الأقصى



تكشف النصوص إلى أن أول من أدخل الصفرية إلى بلاد المغرب هو "عكرمة" أحد موالي "ابن عباس" الفقيه المشهور، وقد تمكنت هذه الفرقة من تأسيس إمارة بني مدرار بسجلماسة . وقد نزل أول الأمر بالقيروان حيث إلتقى سرا برؤساء القبائل المغربية المتدمرة من الحكم الأموي بمن فيهم "ميسرة المطغري" زعيم قبيلة مطغرة وقائد ثورة الخوارج بطنجة و"أبي القاسم سمكو بن واسول" شيخ مكناسة ومؤسس دولة بني مدرار.

لقد زحف "ميسرة المطغري" بجموع الصفرية إلى طنجة وقتل عاملها الأموي "عمر بن عبيد الله المرادي"، واتجه بعد ذلك إلى سوس ونجح في السيطرة على المغرب الأقصى، كما انتشرت الصفرية بمنطقة تامسنا وهي المنطقة الممتدة على الشريط الساحلي من نهر أبي رقراق إلى نهر أم الربيع، وكان طريف بن شمعون وراء انتشار الصفرية بتامسنا حيث بربر بورغواطة. وكان الربع الأول من القرن 3 هجري عبارة عن صدمات بين جيوش الخوارج بالمغرب وجيوش الخلافة الأموية، ومن أهم المعارك بين الطرفين معركة "بقدورة" سنة 123ه. التي إنهزمت فيها جيوش الخلافة الأموية قرب سبو، كما لحقت بها هزائم أخرى في عهد "خالد بن حميد الزناتي" الذي خلف "ميسرة المطغري"، وانتهى الصراع بنجاح خوارج الصفرية في تأسيس إمارة لهم بسجلماسة سنة 140ه. هي إمارة بني مدرار.

قامت إمارة بني مدرار على عصبية مكناسة الزناتية وقبائل أخرى إضافة إلى الأندلسيين الذين فروا من الأندلس الأموية عقب مايعرف بثورة الربض، كما ساهم في تأسيس إمارة بني مدرار زنوج السودان. بل إن أول من تولى الإمامة بها كان هو "عيسى بن يزيد الأسود". وهذا مايجسد فكر الخوارج في مسألة الإمامة التي يرون بأنها مفتوحة في وجه كل مسلم تتوافر فيه شروطها بغض النظر عن نسبه ولونه ومكانته الإجتماعية.

لقد فسر بعض الغربيين نجاح الخوارج اقتصرت في تأسيس إمارات لهم تفسيرات جانب كثير منها الصواب، من ذلك قولهم بأن ثورة الخوارج اقتصرت على البربر، بينما لاحظنا في أنموذج إمارة بني مدرار أن عدة عناصر ساهمت في نشأتها، ومن ذلك أن ثمة تقارب مذهب الخوارج وثورة الدوناتية التي قامت بإسم المسيحية ببلاد المغرب البربري بزعامة دونات في القرن 4م. إن "غوتييه" يعتبر مذهب الخوارج وثورتهم بالمغرب هي امتداد للدوناتية، وذلك بعد أن خلعت لبوسها المسيحي وغيرته بلباس إسلامي، لقد فنذ "محمود إسماعيل" في أطروحته عن الخوارج ببلاد المغرب هذا الإدعاء واعتبر أن ما حدث لا يعدو أن يكون محض تشابه في ظروف بلاد المغرب السياسية والإجماعية والدينية التي ظهرت إبانها حركتان متباعدتان لا تمت أي منها للأخرى بصلة، فالدوناتية كانت مغربية في كل مراحلها وأما مذهب الخوارج فكان مشرقي الأصل، وكيفما كان الأمر فإن أهم ما ميز القرنين الثاني والثالث للهجرة هو ظهور مجموعة من الإمارات ببلاد المغرب من ضمنها لإمارة بني مدرار بسجلماسة وإمارة بورغواطة بتامسنا، وكلاهما كانا على مذهب الخوارج الصفرية، وإذا كانت إمارة بني مدرار قد سقطت تحت ضربات الشيعة الفاطميين سنة 297ه. بعد أن صمدت في وجه الأدارسة بفاس، فإن بورغواطة صمدت طويلا بحيث عمرت إلى حدود العصر الموحدي لما وضع عبد المومن بن علي الكومي حدا لها.

* الصفرية: إحدى الفرق من الخوارج التي برزت في المغرب وتنسب إلى عبد الله الصفار، تمكنت هذه الفرقة من تأسيس إمارة بني مدرار في سجلماسة سنة 140ه.


*محمود إسماعيل: (21 أبريل 1940 ) مؤرخ ومفكر مصري متخصص في التاريخ الإسلامي والحضارة الاسلامية .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كتب أقل من 100 صفحة| قائمة 20 كتابا

بودكاست رائحة الورق | الحلقة الأولى: لماذا نقرأ

المرجومة